المَبْحَثُ الثَّانِي فِي اْلحَاكِمِ
إِنَّهُ لاَخِلاَفَ فِي كَوْنِ اْلحَاكِمِ الشَّرْعَ بَعْدَ اْلبِعْثَةِ وَبُلُوْغِ الدَّعْوَةِ . وَأَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ فَقَالَتْ الأَشْعَرِيَّةُ : لاَيَتَعَلَّقُ لَهُ عَزَّ وَجَلَّ حُكْمٌ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِيْنَ , فَلاَيَحْرُمُ كُفْرٌ وَلاَيَجِبُ إِيْمَانٌ. وَاسْتَدَلُّوْا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( وَمّا كُنَّا مُعَذِّبِيْنَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُوْلاً ) {الإسراء : 17/15} وَقَوْلِهِ تَعَالَى (لِئَلاَّ يَكُوْنَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) {النساء : 4/165}
وَقَالَتْ المُعْتَزِلَةُ : إِنَّهُ يَتَعَلَّقُ لَهُ تَعَالَى حُكْمٌ بِمَا أَدْرَكَ العَقْلُ فِيْهِ صِفَةَ حُسْنٍ أَوْ قُبْحٍ لِذَاتِهِ أَوْ لِصِفَتِهِ فَيَجِبُ عَلَى اْلمُكَلَّفِيْنَ أَنْ يَعْمَلَ اْلحَسَنَ وَيَتْرُكَ اْلقَبِيْحَ, وَاللهُ يُؤَاخِذُهُ بِحَسَبِ مَا يُدْرِكُهُ مِنْ ذَلِكَ بِالشَّرْعِ, وَاسْتَدَلُّوْا بِقَوْلِهِ تعالى {قُلْ لاَيَسْتَوِي الْخَبِيْثَ وَالطَّيِّبُ} (المائدة : 5/100) وَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ {واللهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ} ( البقرة : 2/ 220)
تَنْبِيْهٌ
حُكْمُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ بِإعْتِبَارِ مَايُدْرِكُهُ اْلعَقْلُ يَنْقَسِمُ إِلَى خَمْسَةِ أَقْسَامٍ : (1) الوُجُوْبَ كَقَضَاءِ الدَّيْنِ (2) التَّحْرِيْمُ كَالظُّلْمِ (3) النَّدْبُ كَاْلإِحْسَانِ (4) الكَرَاهَةُ كَقَلِيْلِ اْلأَدَبِ (5) الإِبَاحَةُ كَتَصَرُّفِ اْلمُلْكِ فِي مِلْكِهِ
المَبْحَثُ الثَّالِثِ فِي اْلمَحْكُوْمِ بِهِ أَوْ مُتَعَلَّقَاتِ اْلأَحْكَامِ
وَهُوَ فِعْلُ اْلمُكَلَّفِ , فَمُتَعَلَّقُ اْلإِيْجَابِ يُسَمَّى وَاجِبًا, وَمُتَعَلَّقُ النَّدْبِ يُسَمَّى مَنْدُوْبًا, وَمُتَعَلَّقُ التَّحْرِيْمِ يُسَمَّى حَرَامًا, وَمُتَعَلَّقُ اْلكَرَاهَةِ يُسَمَّى مَكْرُوْهًا, وَمُتَعَلَّقُ اْلإِبَاحَةِ يُسَمَّى مُبَاحًا, وَقَدْ يُسَمَّى هَذِهِ اْلمُتَعَلَّقَاتِ بِاْلأَحْكَامِ التَّكْلِيْفِيَّةِ مَجَازًا.
(فَاْلوَاجِبُ) مَايُثَابُ فَاعِلُهُ وَيُعَاقَبُ تَارِكُهُ. وَيَنْقَسِمُ اِلَى قِسْمَيْنِ :
(1) وَاجِبُ اْلعَيْنِ وَهُوَ مَا قُصِدَ حُصُوْلُهُ مِنْ ذَاتٍ مُعَيَّنَةٍ اَوْ مِنْ كُلِّ عَيْنٍ عَيْنٍ, كَالتَّهَجُّدِ المَفْرُوْضِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَطْ وَكَالصَّلَوَاتِ اْلخَمْسِ وَصِيَامِ رَمَضَانَ وَغَيْرِهِمَا فَإِنَّهَا تَجِبُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ
(2) وَاجِبُ اْلكِفَايَةِ وَهُوَ مَا قُصِدَ حُصُوْلُهُ مِنَ اْلمُكَلَّفِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إِلَى خُصُوْصِ فَاعِلِهِ, فَيَسْقُطُ بِفِعْلِ اْلبَعْضِ كَالصَّلاَةِ عَلَى اْلمَيِّتِ وَدَفْنِهِ وَغَيْرِهِمَا.
(وَاْلمَنْدُوْبُ) مَايُثَابُ فَاعِلُهُ وَلاَيُعَاقَبُ تَارِكُهُ. وَيَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ:
(1) سُنَّةُ اْلعَيْنِ كَصَلاَةِ الرَّوَاتِبِ
(2) سُنَّةُ اْلكِفَايَةِ كَالتَّسْلِيْمِ وَتَشْمِيَةِ اْلعَاطِسِ.
(وَاْلحَرَامُ ) مَا يُعَاقَبُ فَاعِلُهُ وَيُثَابُ تَارِكُهُ, وَيُقَالُ لَهُ اْلمَعْصِيَةُ وَالذَّنْبُ.
(وَاْلمَكْرُوْهُ) مَايُثَابُ تَارِكُهُ وَلاَيُعَاقَبُ فَاعِلُهُ, كَغَسْلِ اْلوَجْهِ فِي اْلوُضُوْءِ مَرَّتَيْنِ
(وَاْلمُبَاحُ) مَالاَيُثَابُ فَاعِلُهُ وَلاَيُعَاقَبُ تَارِكُهُ, وَيُقَالُ لَهُ اْلحَلاَلُ وَاْلجَائِزُ, وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى مَا لاَضَرَرَ
عَلَى فَاعِلِهِ وَإِنْ كَانَ تَرْكُهُ مَحْظُوْرًا كَمَا يُقَالُ دَمُ اْلمُرْتَدِ مُبَاحٌ أَيْ لاَضَرَرَ عَلَى مَنْ أَرَاقَهُ.
الرُخْصَةُ وَاْلعَزِيْمَةُ
وَيَنْقَسِمُ الحُكْمُ اَيْضًا اِلَى الرُّخْصَةِ وَاْلعَزِيْمَةِ
(الرُّخْصَةُ) وَهُوَ مَا تَغَيَّرَ مِنْ صُعُوْبَةٍ اِلَى سُهُوْلَةٍ مَعَ قِياَمِ سَبَبِ اْلحُكْمِ الأَصْلِيِّ, كَجَوَازِ اْلإِفْطَارِ لِلْمُسَافِرِ, فَسَبَبُ اْلحُكْمِ الأَصْلِيِّ وَهُوَ -شُهُوْدُ رَمَضَانَ- بَاقٍ.
(العَزِيْمَةُ) وَهُوَ مَاشُرِعَ إِبْتِدَاءً غَيْرَ مَبْنِيٍّ عَلَى أَعْذَارِ اْلعِبَادِ, كَوُجُوْبِ الصَّلَوَاتِ اْلخَمْسِ وَصِيَامِ رَمَضَاَنَ.
اَلْمَبْحَثُ الرَّابِعُ فِي اْلمَحْكُوْمِ عَلَيْهِ
اَلْمَحْكُوْمَ عَلَيْهِ هُوَ اْلمُكَلَّفُ اَيْ اَلْبَالِغُ الْعَاقِلُ
شَرَائِطُ التَّكْلِيْفِ
يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ التَّكْلِيْفِ بِالشَّرْعِيَّاتِ فَهْمُ اْلمُكَلَّفِ ِلماَ كُلِّفَ بِهِ, بِأَنْ يَفْهَمَ مِنَ اْلخِطَابِ اْلقَدْرَ الَّذِي يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ اْلإِمْتِثَالُ , وَلِذَالِكَ كَانَ اْلمَجْنُوْنُ وَالنَّائِمُ وَالنَّاسِيْ وَالصَّبِيُّ الَّذِي لَمْ يُمَيِّزْ غَيْرَ مُكَلَّفِيْنَ , ِلأَنَّهُمْ لاَيَفْهَمُوْنَ خِطَابَ التَّكْلِيْفِ عَلَى ْالوَجْهِ اْلمُعْتَبَرِ, وَأَمَّا الصَّبِيُّ اْلمُمَيِّزُ فَهُوَ وَإِنْ كَانَ ُيمْكِنُهُ تَمْيِيْزُ بَعْضِ ْالأَشْيَاءِ لَكِنَّهُ تَمْيِيْزٌ نَاقِصٌ بِالنِّسْبَةِ اِلَى تَمْيِيْزِ اْلمُكَلَّفِ. وَأَيْضًا وَرَدَ الدَّلِيْلُ بِرَفْعِ التَّكْلِيْفِ قَبْلَ اْلبُلُوْغِ, قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاَثٍ عَنِ النَّائِمِ حَتىَّ يَسْتَيْقِظَ وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ وَعَنِ اْلمَجْنُوْنِ حَتَّى يُفِيْقَ ( رَوَاهُ أَبُوْ دَاوُدَ وَالنَّسَائِي, حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ )
اَلْفَصْلُ الثَّالِثُ
مَبَاحِثُ فِي اُصُوْلِ اْلفِقْهِ
وَتَتَعَلَّقُ بِأُصُوْلِ اْلفِقْهِ مَبَاحِثُ
َاْلمَبْحَثُ اْلأَوَّلُ فِي اْلأَمْرِ
(َاْلأَمْرُ) طَلَبُ اْلفِعْلِ مِنَ اْلأَعْلَى اِلَى اْلأَدْنَى. وَفِيْهِ قَوَاعِدُ :
اَلْقَاعِدَةُ ْالأُوْلَى : َاْلأَصْلُ فِي اْلأَمْرِ لِلْوُجُوْبِ
هَذَا مَا عَلَيْهِ اْلجُمْهُوْرُ وَاسْتَدَلُّوْا بِدَلِيْلِ اْلعَقْلِ وَالنَّقْلِ. أَمَّا اْلعَقْلُ فَإِناَّ نَعْلَمُ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ قَبْلَ وُرُوْدِ الشَّرْعِ أَنَّهُمْ أَطْلَقُوْا عَلَى ذَمِّ عَبْدٍ لَمْ يَمْتَثِلْ أَمْرَ سَيِّدِهِ وَأَنَّهُمْ يَصِفُوْنَهُ بِالْعِصْيَانِ, وَلاَيُذَمُّ وَيُوْصَفَ بِالْعِصْيَانِ إِلاَّ مَنْ كَانَ تَارِكاً لِوَاجِبٍ عَلَيْهِ.
َواَمَّا اْلمَنْقُوْلُ فَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : فَلْيَحْذَرِ الَّذِيْنَ يُخَالِفُوْنَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيْبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْيُصِيْبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيْمٌ . النور: 24/63. ِلأَنَّهُمْ عَزَّ وَجَلَّ رَتَّبَ عَلَى تَرْكِ مُقْتَضَى أَمْرِهِ إِصَابَةَ اْلفِتْنَةِ فِي الدُّنْيَا اَوْ ْالعَذَابَ اْلأَلِيْمَ فِي اْلآخِرَةِ.
وَقَدْ تُسْتَعْمَلُ صِيْغَةُ ( أُفْعُلْ ) فِي اَوْجُهٍ :
(1) ِللدُّعَاءِ, كَقَوْلِهِ تَعَالَى : رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي اْلآخِرَةِ حَسَنَةً . البقرة : 2/201
(2) ِللتَّهْدِيْدِ, كَقَوْلِهِ تعالى : إِعْمَلُوْا مَا شِئْتُمْ . فُصِّلَتْ : 41 / 40
(3) ِلْلإِكْرَامِ, كَقَوْلِهِ تعالى : أُدْخُلُوْهَا بِسَلاَمٍ آمِنِيْن. الحجر : 15/46
(4) ِللتَّعْجِيْزِ, كَقَوْلِهِ تعالى : فَأْتُوْا بِسُوْرَةٍ مِنْ مِثْلِهِ . البقرة : 2/ 23
(5) ِللتَّفْوِيْضِ, كَقَوْلِهِ تعالى : فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ. طه : 20/72
(6) ِللتَّلْهِيْفِ, كَقَوْلِهِ تعالى : مُوْتُوْا بِغَيْظِكُمْ: آل عمران : 3/119
اَلْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ : َاْلأَصْلُ فِي اْلأَمْرِ لاَيَقْتَضِى التِّكْرَارَ
ِلأَنَّ صِيْغَةِ (أُفْعُلْ) تَدُلُّ عَلَى طَلَبِ اْلفِعْلِ وَهُوَ يَحْصُلُ بِاْلمَرَّةِ , قَالَ اللهُ تعالى : وَأَتِمُّوْا اْلحَجَّ وَاْلعُمْرَةَ ِللهِ. البقرة : 2/192
اَلْقَاعِدَةُ الثَّالِثَةُ : َاْلأَصْلُ فِي اْلأَمْرِ لاَيَقْتَضِى الْفَوْرَ
فَيَجُوْزُ التَّأْخِيْرُ عَلَى وَجْهٍ لاَيَفُوْتُ اْلمَاْمُوْرُ بِهِ ِلأَنَّ اْلغَرَضَ مِنْهُ إِيْجَادُ اْلفِعْلِ مِنْ غَيْرِ إِخْتِصَاصٍ بِالزَّمَانِ اْلأَوَّلِ دُوْنَ لثَّانِي
اَلْقَاعِدَةُ الرَّابِعُ : َاْلأَمْرُ بِالشَّيْئِ أَمْرٌ بِوَسَائِلِهِ
ِلأَنَّهُ لَوْلَمْ يَكُنْ اْلوَسِيْلَةُ مَأْمُوْرًا ِبهَا لَجَازَ تَرْكُ اْلوَاجِبِ اْلمُتَوَقَّفُ عَلَيْهِا, وَكَانَ تَرْكُ اْلوَاجِبِ مُمْتَنِعًا فَكَذَالِكَ تَرْكُ مَا أَدَى اِلَيْهِ.
ثُمَّ اْلوَسِيْلَةُ إِمَّا شَرْعِيٌّ كَطَهَارَةٍ لِلصَّلاَةِ, وَإِمَّا عُرْفِيٌّ كَنَصْبِ السُّلَمِ لِصُعُوْدِ السُّطْحِ, وَإِمَّا عَقْلِيٌّ كَتَرْكِ اْلإِسْتِدْبَارِ لِفِعْلِ اْلإِسْتِقْبَالِ.
القَاعِدَةُ الْخَامِسَةُ : الأَمْرُ بِالشَّيْئِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ
سَوَاءٌ أَكَانَ الضِّدُّ وَاحِدًا كَمَا اِذَا أَمَرَ بِاْلإِيْمَانِ فَإِنَّهُ يَكُوْنُ نَهْيًا عَنِ اْلكُفْرِ, أَوْكَانَ الضِّدُّ مُتَعَدِّدًا كَمَا إِذَا أَمَرَ بِاْلقِيَامِ فَإِنَّهُ يَكُوْنُ نَهْيًا عَنْ قُعُوْدٍ وَاضْطِجَاعٍ وَسُجُوْدٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ , ِلأَنَّ ْالأَمْرَ بِالشَّيْئِ يَدُلُّ عَلَى اْلوُجُوْبِ , وَمِنْ لَوَازِمِ ْالوُجُوْبِ تَرْكُ جَمِيْعِ ْالأَضْدَادِ, وَالدَّالُّ عَلَى الشَّيْئِ دَالٌّ عَلَى لَوَازِمِهِ, فَاْلأَمْرُ دَالٌّ بِاْلإِلْتِزَامِ عَلَى تَرْكِ جَمِيْعِ اَضْدَادٍ.
القَاعِدَةُ السَّادِسَةُ : إِذَا فُعِلَ اْلمَأْمُوْرُ بِهِ عَلَى وَجْهِهِ يَخْرُجُ اْلمَأْمُوْرُ عَنْ عُهْدَةِ اْلأَمْرِ
فَإِذَا عَدِمَ ْالمَاءَ ثُمَّ تَيَمَّمَ ثُمَّ صَلَّى خَرَجَ عَنِ عُهْدَةِ اْلأَمْرِ, فَلاَ قَضَاءَ عَلَيْهِ إِذَا وَجَدَ اْلمَاءَ, قَالَ اللهُ تَعَالَى : فَلَمْ تَجِدُوْا مَاءً فَتَيَمَّمُوْا صَعِيْدًا طَيِّبًا. النساء : 4/43. ِلأَنَّهُ لَوْلَمْ يَخْرُجْ عَنْ عُهْدَتِهِ لَوَجَبَ عَلَيْهِ فِعْلُ اْلمَأْمُوْرِ بِهِ ثَانِياً وَثَالِثًا وَهَلُمَّ جَرًّا. وَقَدْ عَلِمْنَا مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ ْالأَمْرَ لاَيَقْتَضِى التِّكْرَارَ.
القَاعِدَةُ السَّابِعَةُ : القَضَاءُ بِأَمْرٍ جَدِيْدٍ
لِحَدِيْثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا : كُنَّا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ وَلاَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلاِةِ. رواه البخاري,
وَِلأَنَّ قَوْلَ اْلقَائِلِ لِغَيْرِهِ : أِفْعَلْ هَذَا اْلفِعْلَ يَوْمَ اْلإِثْنَيْنِ , مَثَلاً لاَيَتَنَاوَلُ فِعْلُهُ فِيْ غَيْرِهِ.
القَاعِدَةُ الثَّامِنَةُ : الأَمْرُ اْلمُتَعَلَّقُ عَلَى اْلإِسْمِ يَقْتَضِيْ اْلإِقْتِصَارَ عَلَى أَوَّلِهِ
َومَعْنَى هَذِهِ اْلقَاعِدَةِ اِذَا عُلِّقَ اْلحُكْمُ عَلَى مَعْنىً كُلِّيٌّ لَهُ جُزْئِيَّاتٌ مُتَبَايِنَةٌ فِيْ ْالعُلُوِّ وَالدَّنَاءَةِ يَقْتَصِرُ ذَلِكَ اْلحُكْمُ عَلَى اَدْنَى اْلمَرَاتِبِ لِتَحْقِيْقِ اْلمُسَمَّى بِذَلِكَ. وَمِنْ أَمْثِلَتِهَا قَوْلُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ثُمَّ ارْكَعْ حَتىَّ تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا ( رواه البخاري ) . فَاْلأَمْرُ بِالطُّمَأْنِيْنَةِ يَكْتَفِيْ بِأَدْنَى رُتْبَةٍ صَحَّتْ فِيْهِ الطُّمَأْنِيْنَةُ. وَمِنْهَا لَوْ وَجَبَ عَلَيْنَا عِتْقُ رَقَبَةٍ وَاقْتَصَرْنَا عَلَى مَا يُسَمَّى رَقَبَةً اَجْزَأَ وَاِنْ كَانَ اَدْنَى الرِّقَابِ, وَلاَ يَجِبُ عَلَيْنَا اَنْ نَعْتِقَ رَقَبَةً بِاَلْفِ دِيْنَارٍ, وَلَكِنْ لاَيَخْفَى أَنَّ ْالإِحْتِيَاطَ الأَخْذُ بِآخِرِ الإِسْمِ أَيْ بِأَعْلَى رُتْبَةٍ مِنْهُ.
القَاعِدَةُ التَّاسِعَةُ : الأَمْرُ بَعْدَ النَّهْيِ يُفِيْدُ اْلإِبَاحَةَ
لِتَبَادُرِ ْالإِبَاحَةِ اِلَى الذِّهْنِ فِي ذَلِكَ لِغَلَبَةِ اسْتِعْمَالِهِ فِيْهَا حِيْنَئِذٍ ( التَّبَادُرُ عَلاَمَةُ اْلحَقِيْقَةُ ) . وَمِنْ اَمْثِلَتِهَا قَوْلُهُ تَعَالَى ( وَاِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوْا ) المائدة 5\2 بَعْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى ( أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيْمَةُ اْلأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَاَنْتُمْ حُرُم ) المائدة 5\1 , وَقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كُنْتُ نَهَيْتُُكُمْ عَنْ لُحُوْمِ اْلأَضَاحِيْ فَوْقَ ثَلاَثٍ مِنْ اَجْلِ الدَّافَّةِ , فَكُلُوْا مِنْهَا وَادَّخِرُوْا ( رواه الترمذي )
المبحث الثاني في النهي
( النَّهْيُ لُغَةً ) اْلمَنْعُ. وَمِنْهُ سُمِّيَ اْلعَقْلُ نُهْيَةً ِلأَنَّهُ يَمْنَعُ صَاحِبَهُ عَنِ ْالوُقُوْعِ فِيْمَا يُخَالِفُ الصَّوَابَ. ( وَشَرْعًا ) طَلَبُ التَّرْكِ مِنَ اْلأَعْلَى اِلَى اْلأَدْنَى.
وَفِيْهِ قَوَاعِدُ :
اْلقَاعِدَةُ ْالأُوْلَى : ْالأَصْلُ فِي النَّهْيِ لِلتَّحْرِيْمِ
ِلأَنَّ ْالعَقْلَ يُفْهِمُ اْلحَتْمَ مِنَ الصِّيْغَةِ اْلمُجَرَّدَةِ عَنِ اْلقَرِيْنَةِ , وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى اْلحَقِيْقَةِ , وَإِنَّ السَّلَفَ يَسْتَدِلُّوْنَ بِصِيْغَةِ النَّهْيِ اْلمُجَرَّدَةِ عَنِ اْلقَرَائِنِ عَلَى تَحْرِيْمِ الشَّيْئِ.
وَقَدْ تَرِدُ صِيْغَةُ النَّهْيِ عَلَى مَعَانٍ :
1. لِلدُّعَاءِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : {رَبَّنَا لاَتُؤَاخِذْنَا إِنَّ نَسِيْنَا أَوْ اَخْطَأْنَا } (البقرة :2/286)
2. لِلإِرْشَادِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { لاَ تَسْأَلُوْا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ } ( المائدة : 2/101 )
3. لِلتَّيْئِيْسِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { لاَتَعْتَذِرُوْا اْليَوْمِ } ( التحريم : 66/7)
4. لِلإِئْتِنَاسِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { لاَتَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا } ( التوبة : 9/40 )
5. لِلتَّهْدِيْدِ كَقَوْلِكَ لِخَادِمِكَ : لاَ تُطِعْ أَمْرِيْ
القَاعِدَةُ الثَّانِيَةِ : النَّهْيُ عَنِ الشَّيْئِ أَمْرٌ بِضِدِّهِ
وَفِيْ بَعْضِ اْلعِبَارَةِ : " النَّهْيُ عَنِ الشَّيْئِ أَمْرٌ بِاَحَدِ أَضْدَادِهِ " ِلأَنَّ النَّهْيَ يَدُلُّ عَلَى التَّحْرِيْمِ, وَمِنْ لَوَازِمِ التَّحْرِيْمِ فِعْلُ اَحَدِ أَضْدَادِهِ. فَإِذَا قَالَ : " لاَتَجْلِسْ فِي اْلبَيْتِ " فَقَدْ أَمَرَهُ بِالْجُلُوْسِ فِي أَحَدِ مَوَاضِعِهِ وَلَمْ يَأْمُرْ بِالْجُلُوْسِ كُلِّهَا.
القَاعِدَةُ الثَّالِثَةُ : النَّهْيُ اْلمُطْلَقُ يَقْتَضِيْ الدَّوَامَ فِيْ جَمِيْعِ ْالأَزْمِنَةِ
ِلأَنَّ النَّهْيَ يَعْتَمِدُ اْلُمفْسِدَةَ, وَاجْتِنَابُ ْالمُفْسِدَةِ إِنَّمَا يَحْصُلُ اِذَا اْجتَنَبَهَا دَائِمًا, كَمَا اِذَا قُلْتَ لِوَلَدِكَ : "لاَتَقْرَبْ الأَسَدَ" فَمَقْصُوْدُكَ لاَيَحْصُلُ إِلاَّ بِاجْتِنَابِهِ دَائِمًا.
القَاعِدَةُ الرَّابِعَةُ : النَّهْيُ يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ ْالمَنْهِيِّ عَنْهُ فِي عِبَادَاتٍ
اِذَا كَانَ النَّهْيُ لِعَيْنِ اْلفِعْلِ , كَنَهْيِ اْلحَائِضِ عَنِ الصَّلاَةِ وَالصَّوْمِ, أَوْ لِوَصْفٍ لاَزِمٍ كَالنَّهْيِ عَنْ صَوْمِ اْلعِيْدَيْنِ وَهُوَ كَوْنُهُ يَوْمَ ضِيَافَةِ اللهِ لِعِبَادِهِ, وَيَلْزَمُ مِنَ الصِّيَامِ إِعْرَاضٍ عَنْهَا لِقَولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : نَهَي النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صَوْمِ الْفِطْرِ وَالنَّحْرِ ( متفق عليه ) وَأَمَّا النَّهْيُ ِلأَمْرٍ خَارِجٍ فَلاَ يَدُلُّ عَلَى ْالفَسَادِ كَنَهْيِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَنِ الصَّلاَةَ فِي أَعْطَانِ اْلإِبِلِ, قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : وَلاَ تُصَلُّوْا فِي أَعْطَانِ اْلإِبشل ( رواه الترمذي وصححه) قَالَ بَعْضُ اْلعُلَمَاءُ : " إِنَّ حِكْمَةَ النَّهْي ِمَا فِيْهَا مِنَ النُّفُوْرِ, فَرُبَّمَا نَفَرَتْ وَهُوَ فِي الصَّلاَةِ فَتُؤَدِّي اِلَى قَطْعِهَا"